الخطيب الشربيني

545

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الطاغي هو صاحب المأوى ، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره تركت الإضافة . تنبيه : هِيَ يجوز أن تكون فصلا أو مبتدأ . وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي : قيامه بين يديه لعلمه بالمبدأ وبالمعاد ، وقال مجاهد : خوفه في الدنيا من الله تعالى عند مواقعة الذنب فيقلع عنه نظيره وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] وَنَهَى النَّفْسَ أي : الأمارة بالسوء عَنِ الْهَوى وهو اتباع الشهوات وزجرها عنها وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير . فَإِنَّ الْجَنَّةَ أي : البستان لكل ما يشتهى هِيَ أي : خاصة الْمَأْوى أي : ليس له سواها مأوى ، وحاصل الجواب أنّ العاصي في النار والطائع في الجنة . قال الرازي : هذان الوصفان مضادان للوصفين المتقدّمين فقوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ ضد قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ طَغى . وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ضد قوله تعالى : وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح دخل في هذين الوصفين جميع الطاعات . وقال عبد الله بن مسعود : أنتم في زمان يقود الحق الهوى ، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق ، فتعوّذوا بالله من ذلك الزمان . تنبيه : اختلف في سبب نزول هاتين الآيتين ، فقيل : نزلتا في مصعب بن عمير وأخيه . روى الضحاك عن ابن عباس قال : فَأَمَّا مَنْ طَغى فهو أخو مصعب بن عمير أسر يوم بدر وأخذته الأنصار فقالوا : من أنت ، قال : أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدّوه في الوثاق وأكرموه وبيتوه عندهم فلما أصبحوا حدّثوا مصعب بن عمير حديثه ، فقال : ما هو لي بأخ شدّوا أسيركم ، فإنّ أمّه أكثر أهل البطحاء حليا ومالا ، فأوثقوه حتى تبعث أمّه فداءه ، وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ فمصعب بن عمير وقى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه ، والمشاقص جمع مشقص وهو السهم العريض ، فلما رآه صلى اللّه عليه وسلم متشحطا في دمه قال صلى اللّه عليه وسلم : « عند الله أحتسبك » وقال صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : « لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما وإنّ شراك نعله من ذهب » « 1 » وعن ابن عباس أيضا : نزلت في رجلين أبي جهل بن هشام ومصعب بن عمير « 2 » . وقال السدي : نزلت الآية الثانية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وقال الكلبي : هما عامّتان . ولما سمع المشركون أخبار القيامة ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل الطامّة الكبرى والصاخة والقارعة وسألوا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم استهزاء متى تكون الساعة ؟ نزل : يَسْئَلُونَكَ يا أشرف الخلق عَنِ السَّاعَةِ أي : البعث الآخر لكثرة ما تتوعدهم به من أمرها أَيَّانَ مُرْساها أي : في أي وقت إرساؤها ، أي : إقامتها أرادوا متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ويكوّنها ، أو أيان منتهاها ومستقرّها ، كما أنّ مرسى السفينة مستقرّها حيث تنتهي إليه . فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه : فِيمَ أي : في أي شيء أَنْتَ مِنْ ذِكْراها أي : من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به . تنبيه : فِيمَ خبر مقدّم و أَنْتَ مبتدأ مؤخر و مِنْ ذِكْراها متعلق بما تعلق به الخبر ،

--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في تفسيره 19 / 208 . ( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 513 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 7 / 133 .